اخر الاخبارمحلي

الأمير تركي الفيصل: الإيمان والأخلاق أُسُس لمواجهة تحديات البشرية

خلال أجتماع " الأديان" بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

سما العالم ــ  سارة محمد 

أكد صاحبُ السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن البشرية تمتلك من الوسائل والإمكانات ما يؤهلها لمواجهة تحدياتها الكبرى، غير أنها تفتقر إلى المرجعية الأخلاقية والرُّوحية التي تُحسِن توجيه هذه القدرات وتوجهها نحو ما ينفع الإنسان ويصون كرامته. وشدد سموه على أن الإيمان والأخلاق هما العدة الحقيقية لمواجهة تحديات البشرية في عالم مضطرب.
جاء ذلك في كلمة ألقاها سموه بعنوان: «التعاون بين أتباع الأديان لمواجهة التحديات المُلِحّة في عالمنا» خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع الدولي «من الحوار بين الأديان إلى التعاون بين أتباع الأديان»، الذي استضافه مركز أُكسفورد للدراسات الإسلامية يوم أمس، بمشاركة معالي الشيخ الدكتور محمد العيسى، أمين عام رابطة العالم الإسلامي رئيس هيئة علماء المسلمين، ونخبة من القيادات الدينية العالميةوالمفكرين والأكاديميين والخبراء الدوليين.
واستهل سموه كلمته بتأكيد أهمية هذا النوع من اللقاءات، مشيرًا إلى أن اجتماع أشخاص ينتمون إلى خلفيات وتقاليد دينية وفكرية متنوعة يتطلب قدرًا من الانفتاح والاستعداد لتجاوز الأحكام المسبقة والتنميطات الجامدة، مؤكدًا أن الحضور المشترك في مثل هذه اللقاءات لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه أمرًا بديهيًّا، بل بوصفه جهدًا واعيًا يقوم على الرغبة في الفهم والتعاون والعمل من أجل غايات إنسانية مشتركة.
وأشار سموه إلى أن البشرية حققت خلال العصر الحديث إنجازات كبيرة في مواجهة الجوع والأمراض وتوسيع نطاق المعرفة، مؤكدًا أن هذه المنجزات تستوجب الشكر والامتنان، وأن استحضار نِعَم الله يمد الإنسان بالقوة في مواجهة ما يعترض المجتمعات من تحديات وأعباء.
وفي حديثه عن التحديات الراهنة، توقف سموه عند أوضاع الشباب، مشيرًا إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن الجيل الحالي هو الأكثر اتصالًا بالعالم من خلال وسائل التقنية الحديثة، لكنه في الوقت نفسه يعاني مستوياتٍ مرتفعةً من الشعور بالوَحْدة وفقدان اليقين في المستقبل. وأضاف أن من أعظم المسؤوليات الملقاة على عاتق الأجيال الحالية أن تسلم الشباب عالَمًا يستحق أن يرثوه ويعيشوا فيه بأمل وثقة، محذرًا من أن تراجع الأمل لدى الشباب لا يمثل أزمة فردية فحسب، بل يعكس أزمة أوسع في واقع المجتمعات المعاصرة.
وفي السياق ذاته، توقف سموه عند الأُسرة بوصفها الوَحْدة الاجتماعية الأُولى والأكثر أهمية، مشيرًا إلى أنها كانت على مدار التاريخ المرجعَ الذي يحفظ الذاكرةَ، ويورّث القيمَ، ويتيح للإنسان الانتماء غير المشروط. وأبدى سموه قلقَه إزاء ما تشهده الأسرة المعاصرة من تراخٍ في الروابط وتفككٍ في أواصر الأجيال، محذرًا من أن ضعف الأسرة سينعكس حتمًا على متانة المؤسسات والدول، وسيُعرّض الفرد لضياع لا يستطيع أيّ بديل اجتماعي أن يعوّضه.
وتناول سموه ما يشهده العالَم من نزاعات وصراعات متفاقمة، مشيرًا إلى أن الخطر لا يكمن في انتشار العنف فحسب، بل في تراجع الالتزام بالقواعد والمعايير الإنسانية التي وُضعت أصلًا للحد من آثاره وتخفيف معاناة المدنيين. وأوضح أن العالم يشهد اليوم تآكلًا متزايدًا لهذه الضوابط، بما في ذلك المبادئ التي تحمي الجرحى والأطفال ودُور العبادة والمحتاجين، وهو الأمر الذي يضاعف من حجم المعاناة الإنسانية، ويُقوّض الأسس الأخلاقية التي قامت عليها القوانين المنظمة للنزاعات.
وفي سياق حديثه عن التحولات التقنية، أشار سموه إلى ما يتيحه الذكاءالاصطناعي من قدرات هائلة لم تكن متصوَّرة قبل سنوات قليلة، لافتًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الفجوة المتنامية بين حجم القوة التي أصبحت في متناول الإنسان وبين مستوى الحكمة اللازمة لتوجيهها توجيهًا مسؤولًا. وحذَّر من أن الاعتماد المُفرِط على الأنظمة الذكية في معالجة القضايا الأخلاقية والإنسانية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة إذا غاب الضمير والقيم التي ينبغي أن تضبط استخدامها.
ولفت سموه إلى أنَّ البابا لاوون الرابع عشر قد لامَسَ جوهر هذا التحدي قبل أيام، حين دعا إلى «نزع سلاح» الذكاء الاصطناعي، وتحريره من منطق الهيمنة والإقصاء، وتوجيهه نحو خدمة الإنسان والصالح العام.
وأشار سموه إلى جملة من المخاوف الاقتصادية والإنسانية التي يواجهها العالم، من بينها اتساع الفجوة بين الفئات الأكثر ثراءً والفئات الأقل حظًّا، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن المائيّ والغذائيّ والطاقة، وهي قضايا تَمَسّ حياةَ مليارات البشر بصورة مباشرة، وتستدعي استجابات جماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وأكد سموه أن هذه التحديات، على اختلاف أشكالها، لا ترجع في جوهرها إلى نقص الموارد أو غياب الوسائل، بل إلى أزمة أخلاقية ورُوحية أعمق، موضحًا أن البشرية حققت تقدمًا هائلًا في قدرتها على الإنجاز والتأثير، لكنها في المقابل أصبحت أقل اهتمامًا بالسؤال المتعلق بما يجب فعله، وأكثر انشغالًا بالسؤال المتعلق بما يمكن فعله. ورأى أن هذا التحول أَسهمَ في إضعاف البوصلة القِيَميّة التي توجه القرارات الفردية والجماعية على حد سواء.
وشدد سموه على أن الإيمان يشكل موردًا مُهِمَّا لمعالجة هذا الخلل؛ لأن الأديانعبر التاريخ أَسهمَت في ترسيخ المعايير التي تساعد الإنسان على التمييز بين ما ينبغي له فعله وما ينبغي له الامتناع عنه، وتمنحه إطارًا أخلاقيًّا للتعامل مع القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات. وأضاف أن القيم المرتبطة برعاية الضعفاء، وإغاثة المحتاجين، واحترام الجار، والصفح عن العدو، تمثل مرتكزات أساسية تستطيع المجتمعات المؤمنة البناء عليها في مواجهة أزماتها المعاصرة.
وأوضح سموه أن الإيمان لا يحقق أثره الكامل إذا ظل حبيس الخطاب أو الممارسات الفردية، بل يحتاج إلى ترجمة عملية من خلال التعاون والعمل المشترك بين أتباع الديانات والمجتمعات المختلفة، مؤكدًا أن التحديات التي تواجه الأجيال الحالية والمقبلة تتطلب شراكات حقيقية تقوم على الفهم المتبادل،والسعي المشترك لخدمة الإنسان وصون كرامته.
واستعرض سموه جذور هذا التقليد في التجربة الإسلامية والعربية والسعودية، مشيرًا إلى أن البابا بولس السادس وجّه عام 1965م، ولأول مرة في تاريخ الكنيسة، تحيةً إلى العالم الإسلامي في رسالته بمناسبة عيد الميلاد، فردّ عليه الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- في خطابه بموسم الحج داعيًا أهل الإيمان إلى توحيد صفوفهم في مواجهة المادية الإلحادية. وأوضح سموه أن الملك فيصل والبابا بولس السادس عملا في عام 1974م على إعداد بيانٍ مشتركٍ بشأن القدس يؤكد مكانتها لدى أهل الكتاب، ويصون مقدساتها، غير أن وفاتهما حالت دون صدوره. وأشار سموه كذلك إلى مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 2008م بتأسيس مركزٍ عالميٍّ للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، يتخذ من لشبونة مقرًّا له، انبثق عن لقائه البابا بنديكتوسالسادس عشر. وأكد سموه أن السابقة الجامعة لكل ذلك هي ميثاق المدينة؛عهد الرسول محمد ﷺ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، الذي جمع مكونات المدينة المتنوعة في أمةٍ واحدةٍ، تقوم على وحدة المسؤولية والالتزامات المشتركة،وحفظ الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.
ودعا سموه إلى التمييز بين الرؤية العالمية المشتركة للتحديات الإنسانية، وبين الأولويات المحلية التي تختلف من مجتمع إلى آخر، مؤكدًا أن معالجة القضايا الكبرى ينبغي لها أن تراعي احتياجات كل مجتمع وظروفه الخاصة. كما أعرب عن أمله في أن تُسهِمَ مثلُ هذه اللقاءات في ترسيخ بوصلة أخلاقية تستند إلى الإيمان بالمسؤولية والقيم المشتركة، وتساعد المجتمعات على مواجهة تحدياتها وَفْقَ أولوياتها واحتياجاتها الواقعية، على نحوٍ يعزز فرص التعاون والعمل المشترك؛ من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.
وختم سموه كلمتَه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى