فنون وثقافة

كتاب “شيفرة الليالي العربية” قراءة جديدة لاكتشاف ما الذي أخفته الحكاية عنا طوال قرون عدة؟

ثمة كتب نقرأها، وكتب أخرى تعيدنا إلى ما قرأناه من قبل، فنكتشف أن النص الذي ظنناه مألوفاً لم يقل لنا كل شيء بعد. وبين هذا النوع من النصوص تقف “ألف ليلة وليلة أو الليالي العربية” بوصفها واحدة من أكثر السرديات قدرة على مقاومة الزمن، ليس فقط لأنها حكايات آسرة سكنت الوعي والذاكرة  العربية والشرقية والغربية جمعاء، وإنما لأنها ظلت مفتوحة على التأويل، وقابلة لأن تُقرأ في كل عصر بعين مختلفة، ولعل هذا هو سر خلودها وجاذبيتها، ومن هذه المنطقة الفكرية يأتي كتاب “شيفرة الليالي العربية: قراءة جديدة في إحدى أهم السرديات الكبرى ” للباحث والروائي الإماراتي الدكتور/ بلال موسى العلي، الصادر عن دار إبهار للنشر والتوزيع عام 2025 ، فهذا الكتاب لا يتعامل مع “الليالي العربية” باعتبارها مجرد حكايات للتسلية والإمتاع والمؤانسة، بل يحاول النفاذ إلى طبقة أخرى من النص؛ طبقة الرموز والمعاني الخفية والأفكار الفلسفية التي يرى المؤلف أنها ربما اختبأت بعناية خلف جمالية السرد وعالمه العجائبي. 

الظاهر والباطن في الحكايات العجائبية:

يعد عالم “الليالي العربية أو ألف ليلة وليلة” مألوف في الذاكرة والوعي الجمعي: حكايات ترويها شهرزاد في حضره الملك شهريار حيث تتوالد من ورائها مجموعة من الحكايات والشخصيات والأحداث العظام التي تعبر بين الواقع والخيال، وتبحر في عوالم مملوءة بالعجائب والغرائب، غير أن كتاب “شيفرة الليالي العربية” يقترح النظر إلى هذا العالم العجائبي بطريقة مغايرة، فما يبدو للعين في القراءة الأولى لوحة حكائية فائقة الجمال، قد تحمل بداخلها طبقات أخرى من المعنى، وكما يمكن للوحة أن تخفي في تفاصيلها الصغيرة إشارات وأسرار خفية لا تظهر من النظرة الأولى، يمكن للحكاية أيضاً أن تخبئ في ثناياها ما يتجاوز ظاهرها،  لذا فالقراءة التي يطرحها  كتاب “شيفرة الليالي العربية”، تستحق أن تُقرأ بهذه العين: لا باعتبارها عالماً من العجائب فحسب، وإنما باعتبارها نصاً يمكن أن تكون وراء ظاهره 

طبقات من الأسئلة والرموز والأفكار والمعاني الخفية.

ومن هنا تبدأ مغامرة الكتاب: البحث عما يمكن أن يكون قد دُس داخل هذه السردية الكبرى من رموز وإشارات ومعانٍ، ومحاولة تفكيكها من خلال قراءة تحليلية نقدية ورمزية تمتد إلى أعماق التاريخ والأدب والفلسفة، وذلك من خلال قراءة جديدة لما وراء النص الظاهر ناحية النص الخفي الباطن، فهذا الكتاب يسعى ليكشف الوجه الخفي لألف ليلة وليلة، لا كحكايات للتسلية، بل كنص حضاري مشفر مليء بالرموز والمعاني  والفلسفات المضمّنة داخل العجائبي

 

معضلة المؤلف المجهول في الليالي العربية:

يطرق المؤلف في هذا الكتاب أبواب واحدة من أكثر المناطق جدالية وإثارة بين الباحثين والدارسين، ويكمن ذلك في مسألة المؤلف المجهول لـ”الليالي العربية”، والأغراض الحقيقية من وراء تأليف هذه السردية الحكائية العجائبية، إلى جانب البحث في مرجعياتها الفكرية وأهدافها وما يمكن أن تخفيه من معانٍ ورموز، ومن هنا تتحول مجهولية المؤلف من سؤال تاريخي إلى مدخل لقراءة النص نفسه بعيون مغايرة، فحين يغيب صاحب النص، يصبح النص أكثر حضوراً، وتتحول الحكايات إلى أدلة محتملة، وتصبح التفاصيل الصغيرة قابلة لإعادة الفحص، وتكتسب المعاني والرموز دوراً أكبر في محاولة الاقتراب من هوية من يقف وراء هذه السردية وأهدافها، ولهذا لا يكتفي الكتاب بالسؤال: ” من هو المؤلف أو المؤلفون المحتملين لحكايات الليالي؟”، وإنما يذهب إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يريد النص الخفي أن يقول وراء جمالية الحكي. وهنا تبرز قيمة القراءة التي يقترحها الكتاب؛ فهي لا تبحث عن إجابة واحدة جاهزة بقدر ما تخوض في شبكة من العلاقات والأفكار والمعاني والرموز التي قد تقود إلى فهم مختلف لـ”الليالي العربية أو ألف ليلة وليلة”. لهذا فالكتاب يمثل عملية بحث في حفريات الليالي العربية من خلال إعادة قراءة نصوص “الليالي العربية”  بحثاً عما يسميه المؤلف “الكنز المتخفي وراء النص الحكائي”؛ أي ذلك المعنى الذي لا يظهر بسهولة أمام القارئ، لكنه قد يصبح أكثر وضوحاً عندما تترتب أحجار الأحجية في رقعة الشطرنج.

النص المشفر لليالي :

يطرح مؤالف الكتاب تصوراً لافتا ومثيرا للقارئ يتمثل في قراءة “الليالي العربية” بوصفها “نصاً فلسفياً وتاريخياً مشفراً”، وليس مجرد حكايات للتسلية والإمتاع والإنس، تُروى قبل النوم وأوقات الفراغ، وبهذا الانتقال يتغير موقع القارئ نفسه. فبدلاً من أن يكون مستمعاً للحكاية، يصبح باحثاً داخلها؛ يبحث عن العلاقات الخفية بين عناصرها، ويتتبع الإشارات والمعاني والرموز التي يمكن أن تقوده إلى طبقاتها الباطنية، لكن قبل كل شيء ينطلق بناء الكتاب  للبحث أو التنقيب عن مفتاح التعمية  أو مفتاح الشيفرة الخفي لنفتح صندوق العجائب والأسرار لليالي العربية، وبذلك تتحول القراءة إلى رحلة لاكتشاف، ربما هنا تكمن أكثر أفكار الكتاب إثارة: أن “الليالي العربية” يمكن أن تكون أشبه بأحجية كبيرة متناثرة، وأن أجزاءها المتفرقة قد لا تبدو متصلة أو مقروءة إلا عندما نعثر على المفتاح الذي يعيد ترتيبها، باعتبار بأن كل شيفرة أو تعمية تحتاج إلى مفتاح، ولهذا يستحضر المؤلف مفهوم “مفتاح حيرام” أو مفتاح الشيفرة الخفي، الذي قد يتيح فتح أبواب ظلت مغلقة لقرون، باعتباره مدخلاً إلى كشف التعمية عن الأسرار والخفايا والمعاني الرمزية المتخفية وراء ستار العجائبي وجمالية النص السردي.

 

ففي الحقيقة، لا يبدو “شيفرة الليالي العربية” مجرد كتاب آخر عن “ألف ليلة وليلة” أو قراءة أدبية في النص الظاهر للعيان، بل محاولة لخوض مغامرة فكرية معرفية بداخل حفريات واحدة من أكثر السرديات غموضاً وسحراً في التراث العربي والإسلامي. إنه كتاب ينطلق من فرضية واضحة: أن جمالية السرد في “الليالي العربية أو ألف ليلة وليلة” قد يخفي وراءه جمالاً وسحراً آخر، وأن الحكاية التي أمتعت أجيالاً متعاقبة، وألهمت عقولاً عدة، ربما كانت تحمل في داخلها إشارات وأفكاراً ورموزاً لم تكشف عن نفسها بالكامل،  وانطلاقاً من ذلك فالكتاب يحاول بأن يهمس في أذاننا بأن الحكايات العجائبية الغرائبية التي أمتعتنا قروناً طويلة قد تركت لنا، في مكان ما، سؤالاً وأسراراً ومعاني لم ننتبه إليها بفعل قوة وجمالية السرد الحكائي، وقد يكون السر أو الكنز الخفي، كما يوحي الكتاب، لم يكن بعيداً عن أعيننا قط، ربما كان أمامنا طوال الوقت، لكننا كنا نقرأ الحكايات، ولم نقرأ الشيفرة المخفية بداخلها. 

ففي نهاية المطاف يمكننا القول بأن كتاب “شيفرة الليالي العربية: قراءة جديدة في إحدى أهم السرديات الكبرى “، يمثل دعوة جادة لنزع قناع البراءة عن هذه الحكايات العجائبية الممتعة للنفوس ورغباتها وشهواتها، والسعي نحو الابتعاد عن سلوك الفراشات التي يجذبها الضوء الساطع. وبذلك لا يقدم الكتاب باعتباره نصاً مغلقاً، بل باعتباره عالماً عجائبيا حضارياً لا تزال أبوابه مفتوحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى